0

( أنا ) أجمع فيها كل ( نحن )

‏14 مارس 2021 مدونة

كمجنون يفتح الأبواب المغلقة ويكسر الجدران ليجعل كل البناء صالة واحدة لا حواجز فيها . لا يعجبني ما في نفسي من جنون ، يجعل من يقرأني يشعر بنوع من الهذيان ، ولكن هذا ( أنا ) ، وبعض مني كـ ( نحن ) تلك التي تمتد في كل من أحب حولي ، أولئك الذين انتمي لهم مسيرًا لا مخيرًا ، والإنتماء شيء لا يختاره الإنسان بعكس الولاء، مخير هو فيه، أمامه الدنيا بكل احتمالاتها وبكل ما فيها من فكر، قادر على أن يجعل عقله دليلاً يوصله إلى نهايات الشك التي تجعله يقف عاجزًا ليقر بعجز عقله فيعود إلى رشده . ولكنها رحلة تستحق المجازفة ، أن تعرف الجميع وأن تسير في أعماقهم وترى ما فيها من تشوهات بعثها التاريخ فيهم.

الجميع يدافع عن شيء تاريخي المصدر، ويدافع عنه بشيء آخر تاريخي المصدر ، العقول هنا تتصادم بما يملؤها من متناقضات التاريخ .

 

ولو بحثتِ أكثر، لوجدتِ منتديات ليبرالية تتهمني بالأصولية وأخرى تنويرية تتهمني بالرجعية.

وهكذا تأكدت أن الوسط شيء ليس له وجود ، هو نقطة يقف فيها الإنسان بعيدًا عن كل الأطراف . هو فعل سلبي اتجاه كل من حولك، أن لا تقحم نفسك فيهم كعنصرٍ مفرغ من التفكير . فيصبح من هو فوقي ينظر إلي باحتقار ومن هو تحتي ينظر إلي بإجلال. ومن على يساري يراني يمينيًا ومن على يميني يراني يساريًا . وكلها اصطلاحات ليس لها أصل في أي شيء شرعته السماء.

 

الناس يخلقون التصانيف ليصبح من السهل عليهم التفاعل مع بعضهم البعض. يحبون الأشياء الجاهزة أكثر من تلك التي تحتاج إلى إعادة تركيب حتى لو أعطاهم الصانع كتيب استخدام وتعليمات تدلهم على الطريقة الصحيحة، صعبة هي على الجميع سهلة على القليل .

 

لا يهمني أن أظل وحيدًا على نقطة مفرغة من كل مسمى ، ولا يهمني إن كنت ضائع الولاء في كل هذا، يقول أحدهم أنني اجعل من نفسي محور كل شيء. وماذا في ذلك، هل أجعل الآخرين محورًا ارتبط به ويُقذف بي مع كل دورةٍ ليس لي فيها خيار. أو أكبح في نفسي شعور التحرك نحو أي طرفٍ لأن محاوري التي تربطني لا تريد التغيير.

 

الولاء أمر أتيح لي فيه الخيار ، بما لا يضر إلا نفسي. وما يأتيني لا أنزعج منه ، وما يصيبني هو ضريبة المحاولة وأمر يصب في تحمل مسئوليتي لخياراتي. ولكن ما أساءني هو أنه قد أصاب من يجمعني بهم الإنتماء شيء ليس له علاقة بكونهم مختلفين، شيء له علاقة بأن التاريخ يختلف إذا تردد على أفواه العامة.

 

من انتمي لهم لا أستطيع إلا أن انتمي إليهم مجبرًا مسيرًا لا مخيرًا ، وجدتهم كما هم فأحببتهم كما هم، ولم أسألهم اختلافًا، ولن أسالهم اختلافًا، وإن انتقدتهم أو جرحتهم فهذا شيء يعيدني إلى ايقاع الضرر بنفسي لا بهم، هم أفضل مني في أشياء كثيرة، لا يعرفها عنهم إلا من اقترب منهم وغدا صديقًا أو جارًا أو لاجئًا من قهر الزمان ومصائبه، أخلاق الفطرة الأولى التي تجعل من العربي رجلاً يناقض نفسه في كثير من الأحيان، فيتسامح مع النصراني المكسور، ويحب البوذي والهندوسي الطيب، العربي الشرقي الذي يعشق أدوار البطولة، يجد نفسه بطلاً بأخلاقه البسيطة من كرم وشجاعة وأنفة وعزة وكرامة، تلك هي أخلاقهم التي اعرفها عنهم.

 

أعتذر لكل من أنتمي لهم، ويا ليتني لم أكن منهم كي لا أحملهم تبعات ما يصيبني، هم أفضل مني وأجمل مني في كل شيء. ولا أعتذر لنفسي يكفيها أن يغفر لها هؤلاء زلاتها، حينها سترضى وتهدأ.

 

الإنتماء دائرة متدرجة الحجم تبدأ من حضن الأم حتى الأمة. والولاء أيضا دائرة توازيها في الحيز وتتدرج معها في الحجم لتبدأ من ولاء الإنسان إلى أول حرف تعلمه من مدرسه في المرحلة الإبتدائية إلى آخر مجلدات فكر قرأها، هذا ولاء يتطور وينمو بحجم ما يعرف الإنسان ويكتسبه من معرفة. ولا علاقة لأحدهما بالآخر.

 

لم أكن أتمنى أن يتجاوزني الأمر إلى من أحب وأنتمي، فهذا أمر لا أعذر نفسي فيه، أسرتي وأبناء عمومتي أشخاص أحببتهم لأني وجدتهم معي منذ بداية الدنيا يهتمون بي حين أتألم حين أحزن، يفرحون لفرحي ويحزنون لحزني. شيء لا أستطيع تغييره حتى لو اخترت.

 

ولكن ولائي أمر يخصني، وأن أقف وحيدًا في معترك كل تلك الدوائر التي تتنازع الحق بينها، خير لي من أختار حقًا يجعلني أخسر جزءًا صغيرًا غائبًا لدى الآخرين. التكامل في الأمور يحتاج أن نأخذ من كل ( كل ) أجمل ما فيه وأفضل ما فيه.

 

وفي هذه الدنيا وجدت أن القلب إذا كان مكشوفًا تعرض لكل مكروه، لماذا نفتح القلوب ونشيعها، وهم يشقون عنها ويرون ما فيها حتى لو كانت مغلقة، لا يحتاج أحد إلى أن تبوح له بشيء، فهو قادر على أن يرى ما في قلبك بما لديه من قلب. هكذا يعتقدون ولا يتذكرون من سأل ” أشققت عن قلبه ”.

 

كنت أحسب الدعاة أشخاص يلمسون القلوب ويغسلونها ويزرعون فيها تسامحًا لا انهزامية فيه، يبثون قوة تنطبع كابتسامة نصر لا ابتسامة خذلان وانكسار. فوجدت كلمات أشخاص تصيب القلوب بالتقزز وتثيرهم وتجعلهم أكثر غضبًا وتأججًا فأصبحت أقيم ما يخلقون في عقول وقلوب الناس، صراخ وعويل ونحيب لا ينفع أحدًا ولا يضر، استهلاك للهواء.

هناك كائنات مهمتها تنقية الهواء لآخرين يتنفسون بحثًا عن حياة جميلة. حياة تتساوى فيها القيم الإنسانية بكل ما تحمله من تناقضات. تلك الكائنات تنقي الهواء تشهقه وتزفره وتعيده نظيفا للآخرين.

ووجدت أشخاصا كالماء في سلاستهم. لا رائحة لهم ولا طعم ولا لون كبرادة الوجه والقلوب نعتقد فيهم، ولكنهم مثل الماء ذو أهمية لحياتنا. وجدت أشخاصا يحزنون ويتذكرون أنفسهم ويبحثون عمن يهون عليهم، ويتفاجؤون بأن الناس مفرطو الأنانية. وحالما وجدوا شخصا يبكي ويشكي، أتوا يبكون ويشتكون ويزيدون عليه، حتى يشعر بأنه كان سببا جديدا لآلام جديدة واحزان جديدة.

 

الكل أناني بطريقة أو أخرى، لا أحد يقف في صف أحد، لا أحد ينحاز لأحد، الكل ينحاز لنفسه.


ينحاز إلى ما يحب أو إلى ما يكره، والموقف يوفر للجميع كل أدوات الانحياز لطرف دون آخر، والكل يجعل لنفسه موقفا لم يكن قادرا على البوح به أو اختلاقه لأنه لم يكن قادر على تحديد أي شخص هو، أنانية البحث عن الذات تتجسد في ان يقحم كل إنسان أناه في طريق تشبه بعضا منه، ويظل الأمر متتابعا متراكما يعتقد فيه اقتراب الوصول، ولكنه يجد نفسه في فراغ جديد ونقطة دون تصنيف ولكنه يحمل كل أنواع الهويات. هي تلك التي يبحثون عنها هوية تشبه الأرقام في البطاقات، تشبه الجنسيات في الجوازات، شيء يقربهم من الـ ( نحن ) الضائعة.

ولا يبقى بعد كل هذا
إلا ( أنا ) اجمع فيها كل ( نحن )