0

كَحة

‏03 مارس 2021 مدونة

كحة أرفع عيني عاليا لأجد زوجتي تنظر لي بنوع من الهلع، كانت هذه إشارة إعادة إطلاق القلق الذي كان ينتابني منذ الأحد الماضي، كنت قد حضرت اجتماعًا أتهرب منه منذ فترة، كل فكرة تتضمن اجتماعًا أو الحضور في وسط مجموعة من الناس يجسدها العقل كفخ وكمين للكورونا، ستة أشخاص يريدون النظر في مشروع ما ويحتاجون الوقوف على كافة التفاصيل ولا يكفيهم الزوم أو أي برنامج من برامج الاجتماع على الانترنت، تفاصيل كثيرة تخص عينات الكتب والأوراق لا يمكن فحصها بدون اللمس، في ذلك اليوم خرجت من البيت بقلق يغلف كل عقلي لدرجة أني لا أتذكر حتى الآن هل أقفلت باب المنزل ورائي، متجهزًا بالكمامات والمعقمات في جيبي، ووصلت وأنا أنبه نفسي حتى دخلت غرفة الاجتماعات، ( لا تسلم ) وفي أوقات كثيرة أقول لنفسي ( لا تصالح ) ، ( السلام نظر ) كانت أول كلماتي السريعة التي أطلقها للجميع، وما أن جلست حتى يأتي أحد المتأخرين، وبكل بساطة ورغم كل الإصرار والتصميم الذي حضرت به، أقوم وأمد يدي لمصافحته، ولكن الحمدلله كان أفضل مني حيث قدم لي كوعه، كمامتي تخنقني، ورائحة المعقم تملؤ  المكان، جلسنا في لحظات متوالية سريعة تبادلنا الأوراق، خلعت الكمامة وشربت الماء، عامل القهوة ناولني كوبا من الشاي، لم يرتدي كمامة، ولا أذكر إذ ما كنت أرتدي كمامتي، عائدًا للمنزل أسترجع كل هذا، وعند كل إشارة أفرك يدي بالمعقم، وأعيد التحقيق مع ذاكرتي، هل لمست الطاولة؟، هل صافحت عامل القهوة؟، هل طهرت يدي بعد لمسي للعينات والكتب؟، أعصر ذهني و أزيد من محاصرته لكي يعترف؟  هل طلبت من يدي ممارسة عاداتها الغبية كلمس عيني وفمي وحك انفي؟، هل نزعت الكمامة من حيث يجب؟ ماذا سيحدث لمدخن حين تصيبه الكورونا؟  أمسك بالجوال وأنا ادخل مجلس الرجال في بيتي، وأسئلة أخرى تقفز، هل أخلع ملابسي هنا وأتطهر كاملاً؟ ماذا لو لبست الكمامة لمدة عشرة أيام حتى أتأكد من سلامتي؟ رأسي يميل بشدة نحو هاتفي، أتصفح المواقع والمقاطع التحذيرية وتلك التي تعرض الأعراض المبدئية للكورونا، مشحونًا بالخوف وفي لحظات أقرأ  أرقامًا مطمئنة عن حالات حرجة أغلبها لكبار السن، ولكن عمري 45 عامًا، لم أعد شابًا كما يتهيأ لي، اليوم لست في مكان يتيح لي التظاهر بأنني مازلت في سن الخامسة والثلاثين حيث توقف عمري عند كل من يسألني في كل مرة عنه، الكورونا ستكتشف الفرق الكبير ولن يهمها إن بدوت صغيرًا، أو أن لي روحًا شابة، أصل إلى غرفة نومي وأنا في صفحة إحصائيات حالات الكورونا ونسب التعافي والموت، أقرأ نسبة الوفيات، لا تتجاوز الـ 0.6%، نسبة التعافي تتجاوز الـ70%، وزارة الصحة تنصحنا، العودة بحذر وتبشرنا في مرة بعودة الحياة الطبيعية لو التزمنا بالإجراءات الوقائية، وفي مرة أخرى تهددنا بالعودة لحالة الحظر الكلي، : “كنت ملتزما بها، أقسم بالله أني كنت ملتزما بها”. أو على أقل تقدير كانت تلك النية، ولكن عقلي خدعني، بدأت أدافع عن ما فعلته في ذلك الإجتماع، وأكرر:” كانت ردات فعل لا إرادية”، “كانت بحكم العادة”، “لقد حاولت قدر الإمكان”، كل تلك الجمل تأتي في مشهد تحقيق حيث طاولة في داخلي يجلس على الجهة الآخرى منها وزير الصحة في غرفة رمادية إضائتها متقطعة كأحد الأفلام البوليسية، ثم شريط إخباري في شاشة التلفاز يعرض ( ستة أشخاص يصابون بالكورونا بعد اجتماع عمل )، ( أحد الأشخاص بسبب عدم التزامه نقل العدوى لزملائه في العمل ) . (حالة حرجة وحالة وفاة بعد اجتماع عمل لم تتخذ فيه اجراءات الوقاية). أشعر بالصداع، والآم في جسدي، هل هي أعراض الكورونا الآن، أم أنه التفكير والقلق والتوتر، حرارتي لم ترتفع، مرت أربعة أيام حتى اليوم. تبقى ستة أيام أخرى على هذا الحال، ستكون فيه كل كحة، كجرس إنذار.